الخميس، 24 يناير 2013

الرئيسية حكمة نيتشه بين الجبل والعقل

حكمة نيتشه بين الجبل والعقل


حكمة نيتشه بين الجبل والعقل 
سعيد بودبوز 
الحوار المتمدن-العدد: 3892 - 2012 / 10 / 26 - 13:39 
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات





أن تكون الحكمة بين الجبل والعقل، يعني أنها بين السماء والأرض مستترة في لباس فوسفوري يمكن أن تظهر لنا رمزياً على هيئة إنسان في ظلام العقل الذي يضيئه نور الشمس بعد أن يتحول إلى نور النفس المنتشر عبر الوعي الإنساني مرسلا شعاع الفكر إلى المخاطب، شريطة أن يكون هذا الأخير قادراً على تجاوز الإدراك الكمي، لهذا النور، إلى الإدراك الكيفي. فلعل في ذلك يكمن سر تحول النور إلى الكنوز التي أثقلت كاهل العقل الذي اعتمره "زارا" كما أثقل نور الشمس كاهلَ الجبل الذي اعتمر "زارا". 
في هذه الورقة سنحاول تحليل جزء من كتاب "هكذا تكلم زرادشت"[1] للفيلسوف الألماني "فريدريك نيتشه" باعتباره نصاً أدبيا، وليس فلسفياً، بالدرجة الأولى. أعني أنني سأتعامل معه باعتباره وليد الخيال في قالب لغوي فني، وليس وليد العقل في قالب لغوي مباشر، وإن كان هذا الكتاب فعلا مثقلا بالمبادئ والفروع التي تتشكل منها عقيدة نيتشه الفلسفية. من هنا سيكون تفكيك الخيال مدخلنا إلى تركيب العقل، وليس العكس، إيمانا منا بأن العقل موجود على الضفة الثانية وراء النص، ويمكن الوصول إليه بعد التمكن من عبور ما أمكن عبوره من الخيال. سنقوم كالعادة بتفكيك النص إلى مقاطع محددة مجملة أولاً، ثم بعد ذلك نقوم بتفكيك هذه المقاطع إلى وحدات صغرى، بحيث يتسنى للقارئ أن يسيطر، بدون مشقة، على خيوط الفكرة التي نتحدث عنها، وذلك من خلال تيسير مقارنته بين عناصر التحليل والنص المدروس. ومن أجل ضمان الفهم العميق، من القارئ، لطبيعة الموضوع الذي أتناوله من خلال هذه الدراسة، أود أن أشير إلى المفردات الرئيسية التي تتكون منها المفاتيح الدلالية والرمزية للنص، ولعلها كما يلي:
"زارا"، البحيرة، الجبل، الشمس، الوادي، الأرض، السماء، النار، النور، الطفولة، الكهولة، العزلة، الصحبة، الزمان، المكان، الجهل، الحكمة، النوم، اليقظة، الليل، النهار.. وهكذا سندخل إلى سراديب النص من الباب الصحيح، ونتجول بين مراميه بسهولة. يبدأ النص كما يلي:
"لما بلغ زارا الثلاثين من عمره، هجر وطنه وبحيرته وسار إلى الجبل، حيث أقام عشر سنوات يتمتع بعزلته وتفكيره إلى أن تبدلت سريرته، فنهض يوماً من رقاده مع انبثاق الفجر وانتصب أمام الشمس يناجيها قائلاً:
- لولم يكن لشعاعك من ينير، أكان لك غبطةٌ، أيها الكوكب العظيم؟ منذ عشر سنوات ما برحت تشرق على كهفي، فلولاي ولولا نسري وأفعواني، لكنت مللت أنوارك وسئمت من ذرع السبيل، ولكننا كنا نترقب بزوغك كل صباح لنتمتع بفيضك ونرسل بركتنا إليك. أصغ إلي، لقد كرهت نفسي حكمتي كالنخلة أتخمها ما جمعت، فمن لي بالأكف تنبسط أمامي لأهب وأغدق على من يغتبط الحكماء من الناس بجنونهم ويسعد الفقراء منهم بثروتهم تلك هي الأمنية التي تهيب بي للجنوح إلى الأعماق، كما تجنح أنت كل مساء منحدراً وراء البحار حاملاً إشعاعك إلى الشقة السفلى من العالم، أيها الكوكب الطافح بالكنوز"[2]. 
لنتأمل مجددا قول السارد"لما بلغ زارا الثلاثين من عمره"، وندرج كلمة "وطن" في خانة "البحيرة" التي لن نجد مانعا دلاليا من ضمها إلى "الوادي" لاحقاً، فكل هذه المفردات تقع في حقل "الحياة الغريزية السفلى" مقابل "الحياة العقلية العليا" التي يرمز إليها "الجبل". من هنا نخلص إلى أن زارا قطع مسافة عمودية (عبر المكان) من الأسفل إلى الأعلى، وذلك بعد أن قطع مسافة عمرية (عبر الزمان) من الطفولة إلى الشباب. فالملحوظ أن "الطفولة" عاشها زارا في فضاء سفلي (البحيرة)، بينما انتقل ليعيش مرحلة النضج في فضاء علوي (الجبل)، وهذا يدل على أن الأمر يتعلق بالحياة العقلية، لأن القوة مثلا يمكن أن يعبر عنها بالقرب من الطفولة وليس الابتعاد عنها نحو النضج الذي لا يسعه إلا أن يفضي بالمرء إلى الشيخوخة على ما هي عليه من العجز. لقد تم إذن تمثيل التوجه (الزمني) نحو الكهولة، حيث النضج، بالتوجه (المكاني) من البحيرة إلى الجبل.
"حيث أقام عشر سنوات يتمتع بعزلته وتفكيره"
هذا المقطع يتضمن ما يحتم إدراج الصحبة في حقل "الحياة السفلية"، وإدراج العزلة في حقل "الحياة العلوية"، دون أن ننسى بأن الأمر يتعلق بمعيار الحكمة طبعاً. والحق أن المجال لا يتسع أمامي كي أفصل ما أستطيع للقارئ بأن العقل ذو اتجاه أحادي، عكس العاطفة مثلا ذات الاتجاهات المتعددة، فالعقل لا يتعامل مع حقيقتين لظاهرة واحدة، ولكن العاطفة بإمكانها ذلك. فما صعود زارا من "البحيرة" إلى "الجبل" إلا صعود للإنسان الحكيم من مستوى الانفعال إلى مستوى الفعل، أو بعبارة أخرى؛ هو صعود من مستوى "القلب" إلى مستوى "العقل" !. وما إهمال القلب، الموازي لإعمال العقل، إلا نتيجة لقلة الحس الجماعي الموازي لشدة الحس الفردي، وسوف تتبين للقارئ مظاهر الصعود من القلب إلى العقل أكثر حينما يتبين له في كتاب "هكذا تكلم زرادشت" بأن زارا بات يرى في الرحمة ضعفا، وفي الشفقة مصيبة، أو ما شابه، الخ.
"يتمتع بعزلته وتفكيره إلى أن تبدلت سريرته"
هنا نلاحظ بأن الامتداد عبر الزمان قد أدى إلى التحرك عبر المكان للمرة الثانية، لأن زارا، بعد أن "تبدلت سريرته"، عاد نازلاً إلى الوادي حيث الناس كما سنرى لاحقاً. ففي المرة الأولى، عرفنا بأن انتشار زارا عبر الزمان يمكن حصره في مدة 30 عاماً، وهذه المدة كانت تكفي لانتشاره عبر المكان صعوداً (من البحيرة إلى الجبل). ثم واصل هناك انتشاره عبر الزمان لمدة 10سنوات التي كانت تكفي لانتشاره الثاني عبر المكان نزولاً (من الجبل إلى الوادي).
" فنهض يوماً من رقاده مع انبثاق الفجر"
في هذا المقطع نستطيع أن ندرك تمثيلاً مجهرياً لما قام به زارا قبل ذلك. فبكل بساطة، نلاحظ أن مرحلة الطفولة يمثلها "الرقاد"، وأن مرحلة النضج يمثلها "النهوض"، وهذا ما يترتب عليه تمثيل الحياة السفلية (منطقة البحيرة) بالليل، وتمثيل الحياة العلوية (الجبل) بالنهار (الفجر). أي أن الليل يقابل النهار، وهذا الثنائي يقابل ثنائي النوم واليقظة، كما يقابل كلا من ثنائي البحيرة والجبل، وثنائي الطفولة والنضج (الكهولة)، وثنائي الصحبة والعزلة، وثنائي الجهل والحكمة.
"وانتصب أمام الشمس يناجيها قائلاً:
- لولم يكن لشعاعك من ينير، أكان لك غبطةٌ، أيها الكوكب العظيم؟"
إن زارا لا يخاطب في نجم الشمس إلا ذاته، فكل ما قاله لهذه الشمس ينطبق عليه هو، ولقد قام بتنفيذه بعد أن استجاب لنفس المؤثرات التي يفترض أن تقع على الشمس. إنه يسأل هذه الأخيرة سؤال استنكار، وليس سؤال استفسار، حين يقول: "أكان لك غبطة؟"، لأن هذه الغبطة متعلقة بوجود "من ينير"، أي من يعكس هذا "الشعاع". فحين ننظر إلى القمر ليلاً، يتجلى لنا ذلك بوضوح ملموس؛ فما النور الذي نراه على سطح القمر إلا دليل على الشمس، ودليل على التجاوب القائم بين القمر والشمس. وهذا ما يتطلع إليه زارا؛ فهو يريد أن يقول: "لا قيمة لحكمتي إذا لم أجد من ألقنه إياها"، فهو إذن، متكلم بحاجة إلى مخاطب. لقد كان، طوال الصُّحبة والعزلة، غير مدرك لهذه المسألة، وهي أنه لا قيمة للمتكلم دون مخاطب، تماما كما أنه لا قيمة لشعاع الشمس إذا لم يكن هناك ما يعكسه. بيد أن وجود الشعاع ليس متعلقاً بوجود العنصر العاكس له، كما أن وجود المتكلم غير متعلق بوجود المخاطب، ولكن "الغبطة" فعلا متعلقة بوجود "العاكس للشعاع/الخطاب"، وهي تشكل القاسم المشترك بين الشمس المشخَّصة وزارا الذي لا يمكننا، ولا يمكنه، أن ينفي بأن التكلم لم يكن متعلقا بوجود المخاطب، ما دام قادراً على مناجاة نفسه، كما يمكن أن تنير الشمس نفسها. فالغبطة إذن، هي شرارة الانطلاق، هذه المرة، نحو الأسفل. 
"منذ عشر سنوات ما برحت تشرق على كهفي، فلولاي ولولا نسري وأفعواني، لكنت مللت أنوارك"
ببساطة؛ منذ عشر سنوات، وزارا يتعلم من العزلة والتفكير كيف يقوم بدور الشمس الآن ! فها نحن بإمكاننا أن نلاحظ عناقاً، أو صراعاً إن شئتَ، بين شروقين؛ شروق الشمس بنورها (في الجبل) بعد 10 سنوات، وشروق النفس بحكمتها (في زارا) بعد 10 سنوات ! هذه هي المرة التي لم يستيقظ فيها زارا من نومه فحسب، بل استيقظ من النوم والجهل والعزلة أيضاً. ولكن متى حصل هذا كله؟ لقد حصل بعد أن ورث العلم بالسر الذي يضمن للشمس استمرار شروقها على هذا العالم..أجل..إنه الغبطة..إن الإعلان أمام الشمس عما أعلن عنه يمكن اعتباره نقطة تحول جديدة، فيها سيبدأ زارا في لعب دور الشمس، ولكن يبقى له فضل على غيره ممن سيخاطبهم لاحقاً؛ فبما أنه عرف أخيراً سر استمرار الشمس في الشروق دون كلل أو ملل، فهذا يعني أنه جدير بأن يلعب دورها. أما المخاطَب، الذي سوف نشير لاحقا إلى كسله وقصور عقله دون القدرة على فهم خطابه، فهو مازال من المتخبطين، ليس في طي مسافة السنوات العشر التي قضاها زارا في عزلة الجبل فقط، بل فيما عاشه قبل صعوده أصلا إلى الجبل، وهذا يعني أن المخاطب الكسول مازال طفلاً وكفى. 
هنا تجدر الإشارة المبكرة (ربما) إلى أن لهذه المعادلة الرمزية علاقة باعتلاء زارا وضعية "عليا" في الزمان كما اعتلى وضعية "عليا" في المكان، أي أن الأمر يتعلق بإشارة رمزية إلى انحداره من المستقبل (قمة الزمان) كما انحدر من الجبل (قمة المكان)، وأن هؤلاء الذين سيخاطبهم بعد قليل، يحتلون وضعية "سفلى" في الزمان (ما قبل عشر سنوات من حياة العقل والجبل لزارا)، كما يحتلون وضعية "سفلى" (الوادي = البحيرة= ما قبل حياة الجبل والعقل لزارا). ها هو يشير إلى الفرق بين مخاطبيته (أمام الشمس) ومخاطبية القوم (أمامه)، الذي سيخاطبه بعد قليل، إذ يردف للشمس قائلا" ولكننا كنا نترقب بزوغك كل صباح لنتمتع بفيضك ونرسل بركتنا إليك". أي لولا أنا ونسري وأفعواني لأصابك ملل أيتها الشمس من أنوارك التي لا أحد يعكسها، ولكن الشيء الذي يجعلني أستحق أن ألعب دورك بعد قليل، حيث سأقوم بمخاطبة القوم الذي يتضور جهلاً تحت أقدام هذا الجبل، هو أنني كنت أترقب بزوغك، فهل هناك من الناس من يترقب بزوغي (يا ترى) كما ترقبت بزوغك؟. 
هل هناك من سيقوده ترقبه لبزوغي إلى إدراك حكمتي، كما قادني ترقبي لبزوغك إلى إدراك معاني نورك؟ فالحكمة هي النور الذي يقابل ظلام الجهل طبعاً، فيبدو أن زارا كان حريصاً على امتصاص كل ما أشرق عليه من أنوار الشمس، بخلاف من لا يقدر قيمة النور مهما تخبط في الظلمات. ها هو على وشك النزول إلى الناس، فهل سيستقبلونه كي يشعر بالغبطة التي شعرت بها الشمس في خطابه، ولكي يكافئهم، على منحه تلك الغبطة، بالحكمة كما كافأته الشمس، على غبطته، بالنور الذي كان يترقب بزوغه دائما؟. هذا ما سنراه في نهاية المطاف. 
"كنا نترقب بزوغك كل صباح لنتمتع بفيضك ونرسل بركتنا إليك"
فالنور مقابل البركة. قد تكون البركة أكثر مناسبة حين نتحدث عن الإله، لكن نيتشه يؤسس لألوهية الإنسان، فهو يجعل من الإنسان المتفوق كائنا جديرا بمنح البركة وليس مجرد مصلٍ ومستهلك لتلك البركة. لقد أصبح الإنسان مؤهلا لمكافأة الشمس على نورها، وإعطاء معنى لهذا النور، وهو المعنى الحكمة. يجب أن تكون الحكمة معنى لنور الشمس. نحن في طريقنا نحو الإنسان المتفوق الذي يستحق ثمنا باهضا؛ وهو تقديم الآلهة كلها قرباناً له، لذلك أعلن نيتشه بأن الإله قد مات، من خلال حديث زارا مع نفسه.
"أصغ إلي، لقد كرهت نفسي حكمتي كالنخلة أتخمها ما جمعت"
هنا يعلن أمام الشمس بأنه أصبح مليئا بالحكمة، وبات عليه أن يخفف الحمل على نفسه، وذلك من خلال إيجاد من يخاطبه ويمنحه بعضاً من هذا الحمل. يجب على زارا أن يقوم الآن بدور الشمس، ويبحث عما إذا كان بين الناس من هو مستعد ليلعب دوره هو في بحثه عن تلك الحكمة. لقد تعلم زارا من الشمس كل شيء، بما في ذلك عدم جدوى احتكار الحكمة، وذلك لأن الشمس لم تحتكر نورها، فينبغي عليه، هو الآخر، أن يقوم الآن من رقاده ليبلغ ما جمعه، منذ عشر سنوات، من أنوار الشمس التي أخذت فيه اتجاها عقلياً يناسب القدرات الإدراكية والتحليلية للإنسان. فمهما كان هذا الأخير حكيماً، لا نتوقع منه أن ينير الطريق أمامنا في ظلام الليل، وإنما نتوقع منه أن ينير طريقنا في ظلام الجهل. فما الظلام الذي تبدده الشمس المشرقة بنورها، إلا الظلام الذي نفضل أن نكون فيه من النائمين. وما الظلام الذي تبدده النفس المشرقة بحكمتها، إلا الجهل الذي نفضل أن نكون فيه من المستيقظين. تبقى أمنية زارا إذن هي أن يجد من يكون معه من المستيقظين تحت حكمة نفسه المشرقة، ولذلك يقول:
"فمن لي بالأكف تنبسط أمامي لأهب وأغدق على من يغتبط الحكماء من الناس بجنونهم ويسعد الفقراء منهم بثروتهم"
لقد كان فقيرا، وصعد إلى الجبل حتى سطعت حكمته، ثم قرر النزول إلى الناس من أجل أن يشاركهم في كنوزه، كما شاركته الشمس في كنوزها. لقد صعد من البحيرة إلى الجبل تماما كما تصعد الشمس من أفق المشرق إلى قمة السماء. وسطعت حكمته في الجبل تماماً كما يسطع نور الشمس في منتصف النهار (قمة السماء). وإذا كانت الشمس تنزل نحو الغروب (الليل)، فإن زارا سينزل بعد قليل نحو الوادي (الجهل) !. فهاهو يشير، في حديثه مع الشمس، إلى ذلك بقوله: 
"تلك هي الأمنية التي تهيب بي للجنوح إلى الأعماق، كما تجنح أنت كل مساء منحدراً وراء البحار حاملاً إشعاعك إلى الشقة السفلى من العالم، أيها الكوكب الطافح بالكنوز". 
تلك هي الحكمة (النور) التي تجلت في عقل زارا. لقد أشعلت الشمس نور الصباح بين يديه على قمة الجبل، وبات يتعين عليه أن يشعل نور الفلاح بين أيدي الناس على قمة العقل. إن نور الشمس، بالنسبة لزارا، ليس شأنا كمياً فحسب، وإنما هو شأن كيفي أيضاً، فها هو يصف الشمس بـ "الكوكب الطافح بالكنوز". فالإنسان العادي لا يصف الشمس إلا بكنز واحد لا يختلف أوله عن آخره، ألا وهو النور. لكن زارا خبر مختلف الأنوار التي يمكن للشمس أن تتبرع بها لصالح الإنسان. على سبيل المثال؛ لاحظ أن بعض هذا النور (أحد الكنوز) سيتحول في روح زارا إلى حكمة ! سيتحول من العنصر النوراني، الذي يبدد الظلام الفيزيائي، إلى العنصر الفلسفي الذي يبدد الظلام المعرفي !
يبدو أن الشمس باتت الآن على سمت رأسه في قمة السماء، أي لقد كفت عن الصعود، ولم يعد أمامها سوى أن تنزل نحو الغروب، فلنلاحظ ماذا يقول زارا في هذه الحالة:
"لقد وجب عليَّ أن أتوارى أسوة بك، وجب عليَّ أن أرقد على حد تعبير الأناسيِّ الذين أهفوا إليهم. باركني، إذن، أيها الكوكب، فأنت المقلة المطمئنة التي يسعها أن تشهد ما لا يُحد من السعادة دون أن تختلج كمقلة الحاسدين"[3]. 
لاحظ أن السارد يشبه نزول زارا من الجبل بالرقود، لأن مخاطبة الجهلاء تقتضي بعض النزول من العقل إلى ما قد يبدو غير معقول، على سبيل التبسيط، في الحد الأدنى. فلكي تبسط موضوعاً فلسفيا، فقد يتعين عليك أن تنزل (تتنازل) قليلاً من على قمة عقلك إلى مستوى عقل من تخاطب، والذي يفترض أن يكون أدنى من عقلك، فهذا هو النزول الذي يرمز إليه نزول زارا من الجبل، ونزول عقله من على قمة اليقظة إلى قاع النوم ! لكن نومه نسبي مادام قد ورثه عن الشمس، وسوف تتجلى لنا هذه النسبية عندما نتأمل قوله "فأنت المقلة المطمئنة التي يسعها أن تشهد ما لا يُحد من السعادة دون أن تختلج كمقلة الحاسدين". أي أن النور الذي ورثه زارا من الشمس، في شكل "الحكمة"، لن يفارقه حتى وهو نائم. وما النوم إلا تعبير رمزي عن مخاطبة الجهلاء، إذ لا ينبغي لزارا الحكيم جداً أن يطبق بكامل يقظته (المعرفية) على النائمين المساكين (معرفياً)، فلهذا ربما يتوجب عليه أن يسترخي قليلا لعله يقنعهم بعقيدته. سوف نلاحظ، ونحن نقرأ كتاب "هكذا تكلم زرادشت"، بأن زارا يشير إلى أن الناس لا يفهمون ما يقول، ويؤلمه ذلك الخ.
لنتخيل أن الشمس غابت عن الجبل، وغربت، فهل هذا يعني أنها أغمضت أنوارها؟ كلا، فكل ما في الأمر أنها نزلت من على أفقنا لكي تنير أفقا أخر ومخلوقات أخرى في أماكن أخرى، وهذا يعني رمزيا أن نزول زارا من على قمة الجبل (قمة العقل) لا يعني أنه أصبح غائباً عن كل مكان (جبل = عقل)، بل نزل إلى الوادي لكي يخاطب أهل الحضيض ليس إلا. 
يقول السارد:
"انظر ! إن هذه الكأس تريد أن تتدفق ثانيةً، وزارا يريد أن يعود إنسانا، وهكذا بدأ جنوح زارا إلى المغيب. وانحدر زارا من الجبال فما لقي أحداً حتى بلغ الغاب حيث انتصب أمامه شيخٌ خرج من كوخه بغتةً ليفتش عن بعض الجذور والأعشاب، فقال الشيخ: 
- ليس هذا الرحالة غريباً عن ذاكرتي، لقد اجتاز هذا المكان منذ عشر سنوات، ولكنه اليوم غيره بالأمس. لقد كنتَ تحمل رمادَك في ذلك الحين إلى الجبل، يا زارا، فهل تحمل الآن نارك إلى الوادي؟ أفما تحاذر يا هذا أن ينزل بك عقاب من يضرم النار؟ لقد عرفت زارا، هذه عينه الصافية، وليس على شفتيه للاشمئزاز أثر، أفما تراه يتقدم بخطوات الراقصين؟"[4]. 
لابد من وجود الشيخ في هذا المكان، على الأقل كي يصف لنا ما تيسر من المظهر الخارجي لزارا. فها نحن عرفنا بأنه كان رماداً (لا يساوي شيئاً) حين صعد إلى الجبل، ولكن الشيخ لم يكتف بذلك، بل جعلنا نتوقع من زارا أن يحمل ناراً وهو نازل من الجبل، إذ لا يعقل أن يكون نزول الجبل مثل صعوده، مادام له كل هذه العلاقة بارتقاء العقل والنزول من على قمته. أكيد أن النزول المفرط من على قمة العقل يمكن أن يوصل الحكيم إلى الجنون، ولكن سيكون من الصعب علينا التمييز بين ما إذا كان هذا الجنون قد أصابه هو أم أصاب أهل الوادي (أو الحضيض) الذي نزل إليه. إن الإدراك العميق لواقع الحضيض المعرفي، من طرف الحكيم، قد يجبر هذا الأخير على أن يتصرف بجنون، وقد لا يكون هذا التصرف إلا دليلا على أن أهل الحضيض مجرد مجانين في نظره، وأنى للعاقل أن يخاطب المجنون على سفح العقل، فكيف بقمته؟ !
يبدو الشيخ متأكدا من أن زارا كان يحمل رماده حين توجه إلى قمة الجبل، ولكنه الآن يتوقع منه أن يحمل نارا كما أشرنا. فالفرق الذي يتوقعه الشيخ بين زارا القديم وزارا الجديد، هو نفس الفرق القائم بين الحارق والمحروق. فالنار تحرق الأشياء وتجعلها رمادا، وهذا يعني أن زارا كان فيما قبل صعود الجبل قابلاً للحرق، أما الآن، بعد ارتقاء الجبل، فمن المتوقع أن يحمل ناره التي تحرق. لكن مع ذلك نلاحظ بأن الشيخ ليس من الحكمة بحيث يرتقي إلى مستوى زارا ويفهمه كما ينبغي، فالحق أن زارا لم يتجاوز مستوى المحروق إلى مستوى الحارق فحسب، بل عبر النار إلى أن صار ناضجاً، أي تجاوز مرحلة النار وبلغ مرحلة النور !
إذا كان الشيخ يتوقع من زارا أن يحمل نارا إلى الوادي، فإن هذا الكلام يضمر إشارة إلى أن أهل الوادي مازالوا قابلين للاحتراق (الاشتعال) والتحول إلى رماد على غرار زارا القديم في مرحلة ما قبل صعود الجبل. ولهذا حذره الشيخ قائلا " أفما تحاذر يا هذا أن ينزل بك عقاب من يضرم النار؟"
بيد أن هذا الشيخ لم يكتف بتوقع النار من زارا، بل ذكره بعقوبة من يضرمها كما لو أن توقعه بات في محله. قد يكون من المفيد أن نسجل هنا إشارة إلى أن "صوت" الشيخ ما هو إلا صوت الملكة النفسية التي لم ترتق الجبل (العقل) مع باقي الملكات التي ساقها زارا في جوفه صعوداً على سبيل التهذيب والتأديب. إنه صوت الشيخ الذي كان يفترض بزارا أن يَكوْنَهُ لو لم يرتقِ الجبل (العقل). لماذا هو "شيخ"؟ لأنه بات إنسانا عتيقاً (متخلفاً) بالنسبة إلى الإنسان الجديد والمتفوق الذي نزل زارا من الجبل لكي ينبئ به أهل الوادي (الحضيض المعرفي)، وهو الإنسان الذي لا يسع زارا إلا أن يمثله تمثيلاً.
لنتأمل قول الشيخ " ليس هذا الرحالة غريباً عن ذاكرتي". ويمكن أن نقلب هذه العبارة لنقرأها كما يلي: "ليس هذا الشيخ غريبا عن ذاكرة زارا". لأنه الشيخ الذي كان من المفروض أن يكونه، كما أسلفنا، لو لم يسلك الطريق المؤدية إلى الجبل (العقل). إن واقع زارا في الجبل (على قمة العقل) تجاوز مفهوم الإنسان التقليدي المتعارف عليه ! والدليل على ذلك أن اتخاذه قرارا بالنزول إلى الوادي، مرة أخرى، كان يقتضي منه أن يتحول إلى "إنسان" !
"زارا يريد أن يعود إنساناً"
وإذا كانت "الطفولة" تناسب الحديث عن العزلة، فإن "البدائية" تقابلها في الحديث عن الصحبة (الجماعة). وهاهو السارد يقول:
"لقد تبدلت هيئة زارا، إذ رجع بنفسه إلى طفولته. لقد استيقظت يا زارا فماذا أنت فاعل قرب النائمين؟ كنتَ تعيش في العزلة كمن يعوم في بحر والبحر يحمل أثقاله، وأراك الآن تتجه إلى اليابسة، أفتريد الاستغناء عمن حملك لتسحب هامتك على الأرض بنفسك؟
فأجاب زارا: إنني أحب الناس.
فقال الشيخ الحكيم: إنني ما طلبت العزلة واتجهت إلى الغاب إلا لاستغراقي في حبهم، أما الآن فقد حولتُ حبي إلى الله، وما الإنسان في نظري إلا كائن ناقص، فإذا ما أحببته قتلني حبه.
فأجاب زارا: ومن يصف لك الحب الآن ! إنني لا أقصد الناس إلا لأنفحهم بالهدايا.
فقال الحكيم القديس: إياك أن تعطيهم شيئاً، والأجدر بك أن تأخذ منهم ما تساعدهم على حمله، ذلك أجدى لهم على أن تغنم سهمك من هذا الخير، وإذا كان لابد لك من العطاء فلا تمنح الناس إلا صدقة على أن يتقدموا إليك مستجدين أولاً.
فأجاب زارا: أنا لا أتصدق، إذ لم أبلغ من الفقر ما يجيز لي أن أكون من المتصدقين
فضحك القديس مستهزئاً وقال: حاول جهدك إذن إقناعهم بقبول كنوزك، إنهم يحاذرون المنعزلين عن العالم ولا يصدقون بأننا نأتيهم بالهبات."[5]. 
تصوير رائع للجدال الطاحن بين الإنسان ونفسه..الجدال الطاحن بين من يكون، ومن يجب أن يكون، ولا يخفى عنا بأن الشيخ ما هو إلا تعبير عن الكينونة المقيدة بالوجوب فيما مضى من حياة زارا. رغم أن هذا الأخير أشار إلى أنه سيرقد (ينزل من العقل = ينزل من الجبل) فيبدو أنه لم يصبح من النائمين بشكل كامل، وإنما أصبح "قرب النائمين" ليس إلا كما قال الشيخ. إذن، فمن الواضح أن "الرقود" مرادف رمزي لـ"لنزول" في هذا النص كما يلي:

رقود ــــــــــ غياب عن العقل
نزول ــــــــــ غياب عن الجبل

لاحظ أن كلام الشيخ يشير إلى أن زارا كان قد استيقظ. فأين استيقظ يا ترى؟ الجواب أنه استيقظ على قمة الجبل (العقل). وإذا كانت اليقظة مقابلة للنوم، فكذلك قمة الجبل تقابل الوادي. إن هذا الحوار الدائر بين زارا والشيخ، ينتهي بنزول زارا إلى الوادي، وبقاء الشيخ في الغابة، مما يعني أنه ينتهي بالشيخ إلى المزيد من العزلة، وينتهي بزارا إلى الصحبة. إن هذا الشيخ القديس رمز للفكر الديني المحافظ ببساطة، أما زارا فهو رمز للفكر الجديد. 
أذكر القارئ الآن بأن "الجبل" يرمز إلى الجانب العلوي من الإنسان، كما يرمز الوادي إلى الجانب السفلي منه. نحن نلاحظ بأن نيتشه استغل رمزية الجبل، ووظفها في عمل عقلي، وهذا جعله يختار الغابة للشيخ الذي يرمز إلى الفكر الديني (الروحي). إن عودة (نزول) زارا من الجبل لها علاقة رمزية عميقة بعودة نيتشه من "تأليه الإله" إلى "تأليه الإنسان" ! وكذلك، فإن مواصلة الشيخ لعزلته في الغابة (فضاء الغريزة) ترمز إلى عزلة الإله (في فكر نيتشه) عن العالم، والذي أعلن عن موته على لسان زارا ! فبعزلة الشيخ القديس لا يسع الرب النتشوي إلا أن يبقى منعزلا عمن يؤلهه ويعبده. وبعودة زارا من العزلة إلى الصحبة، تعود (نزولاً) عقيدة التأليه من السماء إلى الأرض. فها نحن الآن قد نزلنا من السماء بصحبة نيتشه، ولمست أقدامنا الأرض، فلنتابع ماذا يقول نيتشه عن "الأرض" في كتابه "هكذا تكلم زرادشت" وفي غيره مما كتب. ليس أمام الشيخ (رمز التدين) إلا مواصلة الغابة، بل ليس أمامه إلا أن يواصل عودته إلى حياة الحيوانات. يقول الشيخ المؤلِّه لزارا المُتألِّه:
إن لخطوات الناسك في الشارع وقعا مستغرباً في آذان الناس. إنهم ليجفلون على مراقدهم إذ يسمعونها فيتساءلون: إلى أين يزحف هذا اللص؟. لا تقترب من هؤلاء الناس. لا تبارح مقامك في الغاب، فالأجدر بك أن تعود إلى مراتع الحيوان، أفلا يرضيك أن تكون مثلي دباً بين الدببة وطيراً بين الأطيار؟"[6]. 
إلى حد هذا المقطع، نستشف من الحوار بأن الشيخ يعتقد أن زارا نزل إلى أهل الوادي بأفكار دينية، ونلاحظ هنا بأن وصف الشيخ لما جاء به زارا بـ "النار" مردود عليه، أي على الشيخ ! لأن الفكر اللاهوتي، في هذه الحالة، يمثل النار التي تحرق البسطاء، إذ تستغلهم وتغريهم بالجنة الخ. أما زارا، فهو لم يرث النار من الشمس، بل ورث منها النور. بيد أن هذه النقطة تقتضي مزيدا من التوضيح، ولذلك أقول: إن الرماد الذي كان يحمله زارا حين ارتقى الجبل، ما هو إلى هذا الشيخ القديس نفسه !. فيبدو أن زارا لم يتجاوز هذا المستوى من الغابة (الغريزة) في اتجاه قمة الجبل (العقل) من حيث هو شيخ متدين لا يملك إزاء من يصفع خده الأيمن إلا أن يدير له خده الأيسر، بل خلع رماده المتدين هناك، ووصل طريقه نحو القمة، فهاهو حين قرر النزول من الجبل (الرقود) تواصل مع ذكراه الدينية (الشيخ الرماد) في سبيل البحث عن اللغة البسيطة التي تناسب أهل الوادي الجهلاء ! وعلى كل حال، لم يفُت الشيخ (بل لم يفت زارا أن يقوِّل الشيخ) ما يفصح لنا عن أن هذا القديس ما هو إلا بهيمة تأبى إلا أن تبقى كذلك، وتثيره على الارتقاء نحو مستوى الإنسان المتفوق. ألم يكن على زارا أن يبقى مجرد حيوان (دب) تماما مثل القديس على حد تعبير هذا الأخير؟ بلى، لكن زارا رفض، وقرر أن يثير الصحبة على العزلة أخيراً، لعله يتمكن من أخذ بعض المحظوظين من مستوى الوادي (الحضيض) إلى مستوى القمة (العقل). ستتضح لنا أكثر طبيعة العلاقة القائمة بين التبغُّل في الدين والتوغل في الطين حيث "سأل زارا: وما هو عمل القديس في هذا الغاب؟
فأجاب القديس: إنني أنظم الأناشيد لأترنم بها، فأراني حمدت الله إذ أسرُّ نجواي فيها بين الضحك والبكاء لأنني بالإنشاد والبكاء والضحك والمناجاة أسبح الله ربي، ومع هذا، فما هي الهدية التي تحملها إلينا؟"[7].
في هذا المقطع أراد السارد أن يجرنا إلى الحدود القصوى للفرق الشاسع بين عقيدة زارا وعقيدة الشيخ الذي كان من المحتمل أن يكونه في يوم من الأوهام ما دام عضوا في مجتمع ليس لعقوله مخرج من نقوله. وهنا يفصح السارد عن موقف زارا من عقيدة الشيخ القديس من خلال الحديث عن زارا الذي انحنى " مسلماً وقال للقديس: أي شيء أعطيك؟ دعني أذهب عنك مسرعاً كيلا آخذ منك شيئاً.
وهكذا افترقا وهما يضحكان كأنهما طفلان. وعندما انفرد زارا قال في نفسه:
- إنه لأمر مستغرب، ألمَّا يسمع هذا الشيخ في الغاب أن الإله قد مات؟"[8].
هذا مفترق الطرق، حيث نزل زارا من مستوى تأليه الإله إلى مستوى تأليه الإنسان المتفوق الذي سيبدأ تأسيسه في الوادي. فحين "وصل زارا إلى المدينة المجاورة، وهي أقرب المدن إلى الغاب، رأى الساحة مكتظةً بخلق كثير أعلنوا من قبل أن بهلوانا سيقوم هناك بالألعاب، فوقف زارا في الحشد يخطبه قائلا:
إنني آت إليكم بنبأ الإنسان المتفوِّق، فما الإنسان العادي إلا كائن يجب أن نفوقه، فماذا أعددتم للتفوق عليه؟
إن كلاً من الكائنات أوجد شيئاً من نفسه يفوقه، وأنتم تريدون أن تكونوا جزراً يصد الموجة الكبرى في مدها، بل إنكم تؤثرون التقهقر إلى حالة الحيوان بدل اندفاعكم للتفوق على الإنسان. وهل القرد من الإنسان إلا سخريته وعاره؟ لقد اتجهتم على طريق مبدؤها الدودة ومنتهاها الإنسان، غير أنكم أبقيتم على جل ما تتصف به ديدان الأرض. لقد كنتم من جنس القرود فيما مضى، على أن الإنسان لم يفتأ حتى اليوم أعرق من القرود في قرديته. ليس أوفركم حكمةً إلا كائن مشوَّش لا يمت بنسبة إلى أصل صريح، فهو مزيج من النبات والأشباح، وما ادعوا الإنسان ليتحول إلى شبح أو إلى نبات."[9].
بالإضافة إلى تركيزنا على قوله "وهي أقرب المدن إلى الغاب"، لنقارن بين قول زارا "لقد كنتم من جنس القرود فيما مضى"، وقول الشيخ القديس " أفلا يرضيك أن تكون مثلي دباً بين الدببة". فكيلا التعبيرين يصبان في الإشارة إلى ماضي زارا في مرحلة ما قبل صعود الجبل، وهي المرحلة التي يمثلها الشيخ القديس رمزياً. إن زارا يدعو أهل المدينة (أسفل الجبل) لأن يتقدموا في تلك الطريق الفاصلة بين الحيوان والإنسان في اتجاه الإنسان المتفوق. وبما أن الصورة المثلى للتعبير عن الجهل، بالنسبة لنيتشه، هي صورة التدين، فبذلك يصبح النزول من الجبل، في مرحلة ما بعد صعوده، محلا للتنافس والتسابق بين زارا الشيخ القديس نحو الأسفل (أي نحو مستوى تأليه الإنسان المتفوق). لقد نزل زارا من الجبل، ووجد الشيخ القديس في الغابة، أي في طريقه إلى المدينة (الوادي)، وتركه خلفه، ثم واصل سيره نحو التأسيس للإنسان المتفوق. ولعل القارئ سيفهم رمزية النزول من الجبل بشكل أفضل حين يتأمل قول زارا:
"لقد أتيتكم بنبأ الإنسان المتفوق. إنه من الأرض كالمعنى من المبنى"[10].
إن قمة الجبل يمكن اعتبارها فضاءً بين السماء والأرض، ولذلك نجد بعض الأنبياء يأتيهم الوحي وهم على قمم الجبال يتأملون، وعلى رأسهم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، راجع السيرة النبوية، ودقق في طبيعة العلاقة بين الوحي الذي كان يأتي به جبرائيل (من السماء) إلى (الأرض) النبي محمد (في غار حراء). إن التأمل في هذه الظاهرة الرمزية يقودنا إلى القول بأن على بصيرة الإنسان أن تكون صافية وعالية فوق العادة (فوق الجبل) لكي تكون قريبة من مستوى الملائكة (السماء)، وبالتالي ستكون قريبة من مستوى التقاط شريعة هؤلاء الملائكة، أو عقيدتهم، في شكل الوحي الذي يأتي به جبريل. ولكن نيتشه اختار الجبل لكي يعبر عن التفوق العقلي، وليس التفوق الروحاني. ولذلك، بدل أن يواصل زارا صعوده إلى "السماء"، كما فعل بعض الأنبياء، وعلى رأسهم محمد (ص) في ليلة الإسراء والمعراج (تأليه الله)، قرر زارا أن يعود إلى "الأرض" (الوادي/المدينة) من أجل العمل على (تأليه الإنسان المتفوق) ! وكذلك، بدل أن يجد للشيخ القديس طريقا نحو السماء، وجد له طريقا للتوغل في الغابة، أي المزيد من البهائمية كنتيجة للإفراط في البلادة الدينية.
***



[1] فريدريك نيتشه: هكذا تكلم زرادشت، ترجمة: فليكس فارس،
الإسكندرية-مطبعة جريدة البصير، 1938.
[2] المرجع السابق، ص 2.
[3] المرجع السابق، ص 2.
[4] المرجع السابق، ص 4. 
[5] المرجع السابق، ص 5.
[6] المرجع السابق، ص 5.
[7] المرجع السابق، ص 5.
[8] المرجع السابق، ص 5.
[10] المرجع السابق، ص 5-6.
[11] المرجع السابق، ص 6.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.